محمد جمال الدين القاسمي
432
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي : ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند اللّه من الوحي مما يفتريه من القول ، كالنضر بن الحارث . وهذا كقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا الآية [ الأنفال : 31 ] . قال المهايمي : أي ومن أنكر إعجاز القرآن حتى قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه ، مع أنه قد عرف إعجازه ، فكأنه ادعى لنفسه قدرة اللّه ، فكأنه ادعى الإلهية لنفسه ، ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة . فيعلم ما للظالمين فيها ، المبيّن بقوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ . أي : شدائده وسكراته وكرباته ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أي : بالضرب والعذاب ، كقوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [ الأنفال : 50 ] . أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ أي : قائلين لهم : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم ، تغليظا وتوبيخا وتعنيفا عليهم . وقد جنح بعضهم إلى أن ما ذكر من مجاز التمثيل . أي : فشبه فعل الملائكة في قبض أرواحهم ، بفعل الغريم الذي يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف في استيفاء حقه من غير إمهال . وفي ( الكشف ) أنه كناية عن ذلك ، ولا بسط ولا قول حقيقة . قال الناصر في ( الانتصاف ) : ولا حاجة إلى ذلك . والظاهر أنهم . يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة ، على الصور المحكية . وإذا أمكن البقاء على الحقيقة ، فلا معدل عنها . انتهى . وقال الحافظ ابن كثير : إن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم ، فتتفرق روحه في جسده ، وتعصى ، وتأبى الخروج ، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم ، قائلين لهم : أخرجوا أنفسكم . انتهى . أقول : مما يؤيد الحقيقة آية وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى المتقدمة ، فإنها صريحة ومراعاة النظائر القرآنية أعظم ما يفيد في باب التأويل . قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : في هذه الآية حال الكافر عند القبض ، وعذاب القبر . واستدل بها محمد بن قيس على أن لملك الموت أعوانا من الملائكة - أخرجه ابن أبي حاتم - . الْيَوْمَ أي : وقت الإماتة ، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له . تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي ، الهوان الشديد ، بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ كالتحريف ودعوى النبوة الكاذبة . وهو جراءة على اللّه متضمنة للاستهانة به - قاله